الشاعرة حصّة هلال بعباءة سوداء تقف أمام ميكروفون على خشبة «شاعر المليون» وتواجه صفًّا من المصوّرين وكاميراتهم، مع تحديد الأشكال بخطوط حمراء.
النصوص N/R ٠٠١

واحد من الناس / العدد الأول

«أبي أقول... وخايفة ترجموني»

البحث عن حصّة هلال المليحان العنزي

١٣ أغسطس ٢٠٢٦

ستة عشر عامًا منذ أن خرج اسم حصّة هلال إلى الجمهور العالمي عبر واحدة من أكثر المنصات الشعرية حضورًا في الذاكرة الشعرية الخليجية، من خلال «شاعر المليون» في موسمه الرابع والذي حازت فيه على المركز الثالث بتصويت الجمهور والمركز الأول بتصويت اللجنة، وهو الحدث الذي كلما حاولت أن أعود إليه اليوم لا أشعر أنني أعود إلى لحظة شعرية واضحة بقدر ما أجد نفسي أمام طبقات متراكمة ومعقّدة من التمثيلات التي أُنتجت حول الشاعرة، وما قيل عنها أكثر مما قيل عن القصيدة نفسها.

ولكن من هي حصّة هلال / «ريمية»؟

حصّة، أمٌّ وشاعرة وكاتبة وباحثة وإعلامية سعودية، كتبت في الصحافة وتحركت بين عدد من المنصات والمجلات وخاضت تجربة طويلة في التحرير والعمل الإعلامي. صدر لها باسم حصّة هلال ديوان بعنوان «تنوير»، ودراسة بعنوان: «الطلاق والخلع شعرًا: قراءة لوضع المرأة في المجتمع القبلي: الشعر النبطي شاهدًا». وسبق ذلك إصداران تحت اسم «ريمية».

وبعيدًا عن كل ما كُتب وقيل عنها أجدني أتوقف عند ما قالته هي عن نفسها:

بي شاعرة ما أقول عنها عظيمة أو أبي أقول وخايفة ترجموني

تفتتح بهذه الأبيات قصيدة «شاعرة» بصورة بسيطة وصادقة وحسّاسة تلعب بها على توتر الرغبة في الكلام والخوف من أن يُعاد تفسير هذا الكلام — هذا القصيد — أو تأويله. وألاحظ كيف يظهر مبكرًا التوتر الذي سيلازم فيما بعد تجربة حصّة أو «ريمية»، وهو الاسم الذي اختارته بإلزام من والدتها حمايةً لها من أن تنشر باسمها الحقيقي، قبل أن ترتبط بزوجها الشاعر والناقد فاضل الغشم — رحمه الله — الذي شجّعها لاحقًا على الكتابة والنشر باسمها الصريح. لكن ما يربكني في تجربة حصّة هو أنها تتجاوز كل التغطية التي أحاطت بها محليًا وإقليميًا وعالميًا، ولعلها أيضًا عصيّة على أوصاف هذه التغطيات جميعًا. فكل ما كُتب عنها كان يشرح لنا العالم حولها أكثر مما يعرّفنا بشعرها. وفي التغطيات التي جاءت تحديدًا بعد الدورة الثالثة من «شاعر المليون» كردّة فعل على قصيدتها «الفتاوى» — وهي القصيدة التي يزعم الخطاب المحيط بها أنها جاءت ردًا على فتوى تحريم الاختلاط التي أصدرها رجل الدين عبد الرحمن البرّاك، وأباح فيها دم الداعين إليه — فُرض عليها هذا التصوّر بوصفها «الشاعرة العالمية» التي تتحدّى مجتمعًا محافظًا، أو «الصوت النسائي» الذي يكسر الصمت.

وكلما حاولت الاقتراب من حصّة وجدت نفسي أقترب من طبقة متشابكة من الشرح والتفسير والتمثيل. أسمع الكثير عن دلالتها الرمزية، وعن شجاعتها، وعن موقعها في التحولات الاجتماعية التي رافقتها، وأرى كيف تُروى عبر عناصر تلتهم القصيدة ذاتها، القبيلة التي يُفترض أنها تفسّر حضورها، والرجل الذي يجرّم فعلها أو يبيحه، والنقاب/الرداء الذي يتحول فجأة إلى مفتاح جاهز لفهم كل ما تقوله. لكنني لا أكاد أجد قراءة تتوقف طويلًا عند النص نفسه. وكلما قرأت أكثر كنت أعود إلى السؤال ذاته: حسنًا… ولكن أين القصيدة؟

ضاع النص نفسه وسط كثافة التمثيل، مما يدعوني للتساؤل: إذا كانت القراءة الأدبية تبدأ من المكتوب — من اللغة، والإيقاع، والصور، والتوترات الصغيرة التي يصنعها الكلام — فلماذا بدا أن كل شيء في حالة حصّة يُقرأ قبل أن تُسمع القصيدة حتى، أو بعدها، لا أثناءها؟ ولا أظنّني أقف هنا مدافعة عن وهم «النص الخالص»، وبالتأكيد لا أزعم أن الشعر يولد خارج شروطه الاجتماعية والثقافية. على العكس تمامًا، من الظلم والسذاجة أن نفصل تجربة حصّة عن السياق الذي ظهرت فيه. فهي لم تصل إلى جمهورها الأوسع عبر الحضور المنزوي، فهذه امرأة مثل عدد لا بأس به من الشاعرات اللاتي خرجن إلى فضاء تلفزيوني جماهيري يهيمن عليه الحضور الذكوري، تحوّل فيه حضورهن نفسه إلى الحدث، وتداخل الأداء والصورة والتصويت والاستقبال الجماهيري في إنتاج معنى المفردة.

لهذه الأسباب قد يصعب فصل القيمة الشعرية عن الوسيط الذي تتجلّى فيه لحظة ظهورها. فقصيدة حصّة كما تُقدَّم في تغطيات مثل مقالات الغارديان والإندبندنت أو تلك التي لا تحصى في المنصات السعودية والخليجية والعربية، لا تنفصل عن كونها قُدِّمت داخل فضاء تلفزيوني جماهيري ذي طابع تنافسي واستعراضي، أشبه بما تصفه تلك المقالات بأنه «هجين بين برنامج مواهب وميكروفون مفتوح». وحتى عنصر الحضور الغائب — إذ «لا نرى وجهها أبدًا»، كما تصفها إحدى القراءات الصحفية — يتشكل كجزء من إنتاج المعنى نفسه، إذ يتداخل فيه الجمالي بالسياسي، والشخصي بالرمزي. والقيمة الشعرية في هذه الحالة تُستخلص من توتر النص مع شروط ظهوره، المنصة والرقابة الاجتماعية واللباس وردود الفعل بل وحتى التهديدات التي تلقتها الشاعرة كما توثّقها المقالات نفسها.

لكنني أقاوم القراءة التي تنظر لها من خلال الحدث لا النص، والتي تميل إلى تحويل هذا الحدث إلى شاعرة شجاعة في مواجهة مجتمع محافظ، أو نص «بطولي» في فضاء «قمعي» مغلق. فمثل هذه القراءة تختزل التعقيد الذي تُظهره المواد الصحفية نفسها حين تلمّح إلى كون البرنامج جزءًا من صناعة ثقافية واسعة، وإلى أن الشعر هنا يتحرك داخل اقتصاد شهرة وإعلام لا خارجه.

وهنا أعود بطريقة شخصية جدًا إلى سؤال غاياتري سبيفاك، الناقدة الهندية في دراسات ما بعد الاستعمار، حين تتساءل عن قدرة «المهمَّش» على الكلام. وبالرغم أن حصّة لم تكن على هامش المشهد بل في قلبه، غير أن الظهور لا يعني بالضرورة امتلاك الصوت، كما أن الحضور لا يضمن أن يُسمع الكلام، وما يغريني في سؤال سبيفاك ليس الدفاع عن مهمَّش غائب هنا وإنما مساءلة الكيفية التي تُعاد بها صناعة الأصوات كلما دخلت فضاء التمثيل. لذلك أتساءل: هل أُصغي إلى حصّة شعرًا، أم إلى الصورة التي استقرّت عنها في الوعي الثقافي بعد أن مرّت عبر الإعلام والجمهور؟

وأفكر أيضًا في نقد ليلى أبو لغد، الأنثروبولوجية الفلسطينية الأمريكية، للخطابات الإنقاذية التي تحوّل النساء في السياقات العربية والإسلامية إلى قصص جاهزة عن «التحرر». فهي تشير إلى أن كثيرًا من هذه السرديات لا تكتفي بوصف التجارب لكنها تعيد ترتيبها داخل قالب واحد: قمع يُروى دائمًا في مقابل تحرر يُفترض مسبقًا، بما يحوّل النساء إلى رموز أكثر من كونهن ذواتًا معقدة. وفي حالة حصّة كثير من التغطيات لم تكن تقرأ شاعرة بقدر ما كانت تبحث عن رمز. ولكن الرمز مهما بدا جذابًا يظل مجحفًا وقاسيًا لأنه لا يترك مساحة كافية لقراءة أي شيء سواه، وللتعامل مع التباس العادية والإنسانية فيه. وفي فيلمها الوثائقي تقول حصّة باللغة الإنجليزية عن رمز قصيدة «الفتاوى»: «القصيدة التي كتبتها لم تكن عن السعودية، القصيدة التي كتبتها كانت عن فكرة التطرف والإرهاب ذاتها. ولأنني سعودية اعتقدوا أنها قصيدة عن السعودية، لكن هذه قصيدة عن العالم العربي والإسلامي». وربما هنا تحديدًا تتضح مشكلتي كلها: ليست المشكلة أن قصيدة حصّة قُرئت سياسيًا أو جندريًا أو دينيًا، فكل قصيدة تدخل الفضاء العام تُقرأ داخل شروط تاريخية وإعلامية محددة؛ المشكلة أن هذه الشروط نفسها ابتلعت تجربة الشعر كلّها، وحوّلته من نص له لغته وتوتره ومادته إلى علامة جاهزة على القمع أو التحرر أو «الصوت النسائي»، بحيث صار ما يُقال عن رداء حصّة وقبيلتها وظروفها أوفر بكثير مما يُقال في شعرها.

لكن ما يثير اهتمامي أكثر هو أن القصائد نفسها تبدو واعية بهذه المشكلة. في قصيدة «شاعرة» — والتي أقرأها سيرة ذاتية للشاعرة — تقول:

روحي مع الإنسان نفسي صميمه كم أكره التصنيف لا تصنفوني

يصعب ألا أتوقف طويلًا عند هذا البيت. فهاجس التصنيف الذي يظهر في القراءات اللاحقة لتجربتها لم يكن استنتاجًا نقديًا متأخرًا، ويبدو لي أنه جزء من وعي القصيدة بنفسها، وعي الشاعرة بتعقيد تجربتها. كأن الذات الشعرية تدرك منذ البداية أنها مهددة بالتحول إلى تعريف جاهز بكل معطياتها. وليس هذا الهاجس معزولًا في قصيدة واحدة. ففي نص آخر تجاري به الشاعرة روضة الحاج، تقول ببساطة في البناء والتراكيب:

يكتبون ويشطبون ويكذبون

ثم تضيف:

وإن خذوك تصير هم أو هم يصيرون إنت

تتخذ التأملات هنا حدة تتجاوز إسكات الصوت، وتتمركز في الرغبة في إعادة كتابته وفي كثرة من يتكلمون باسمه، وكأن القصيدة تقرأ بدقة ما سيحدث في التغطيات التي ستحيط بصاحبتها وإن اختلف سياقها.

وبجانب هذا كله تقترب تجربة حصّة هلال إلى التفاوض المستمر مع حدود القول الممكن، سواء تلك التي تتخذ فيها ارتداء النقاب أو استخدام الاسم المستعار، وهو ما يفتح مشروع صبا محمود كنافذة مفيدة للفهم. فكما تقترح محمود، لا تتحدد الفاعلية دائمًا في صورة مقاومة واضحة أو كسر مباشر للسلطة، لكنها تتشكل داخل أنماط من الالتزام والممارسة والعمل من داخل القيود نفسها، حيث تُصاغ الذات أخلاقيًا في علاقات معقدة مع ما يبدو أنه يحدّها. لكن حتى وأنا أستدعي هذا الإطار يظل هناك شيء يزعجني؛ إذ أخشى أن أفعل الشيء نفسه الذي أنتقده، أن أستبدل الشاعرة وفعل الشعر بالمفاهيم، وأن تتحول حصّة إلى حالة نظرية أخرى عن الإعلام والتمثيل والخطاب، بدل أن تبقى تجربة شعرية في قلب التحليل.

ولذلك أعود إلى القصائد. إلى «فقيرة ومشهورة» حيث تقول في مطلعها ببساطة مدهشة: «أنا فقيرة… ومشهورة — والشعر والصيت يكفيني»، وهي عبارة تختصر مفارقة الظهور كلها. بيد أن هذه المفارقة تتعلق بعلاقة الشاعرة نفسها بالشعر وسلطته. ففي قصيدة أخرى بعنوان «سلطة الشعر» تكتب:

اصدق قصيد اللي به الجرح صعلوك لا حاسبٍ لهذا.. ولا هايبٍ.. ذاك وأكذب قصيد اللي به الحرّ.. مملوك عبد الظروف.. اللي لها قيل.. ملّاك لك يا قصيدي سلطتك يوم غنّوك كفو العذاب.. وتملك إحساس غنّاك

وهي تعرف أن قيمة الشاعر/ة لا تُقاس بالمكانة أو الصيت أو الاعتراف العام، ولكن بقدرة القصيدة على أن تبقى صادقة لجرحها، مستقلة عن حسابات السلطة والوجاهة والتوقعات. وهذه قصيدة في حالة ملتبسة تتجاوز فيها المعرفة العامة الهشاشة الإنسانية والاعتراف بالألم في موقع وتجربة هذه الشاعرة. لهذا كثير من السرديات التي أحاطت بحصّة غير كافية، لأنها كانت تبحث عن انتصار واضح وحكاية سهلة التلخيص، بينما شعرها أكثر التباسًا من ذلك بكثير.

أعود إلى الملاحظة نفسها.. أن جزءًا كبيرًا من التغطية التي أحاطت بها كان يشرح لنا العالم حول حصّة هلال أكثر مما يعرّفنا بحصّة نفسها، أكثر مما يعرّفنا بشعرها أو بعملها الصحفي والثقافي أو بمشروعها الإبداعي والنقدي. وأفكر في هذا الذي أكتبه الآن كتجربة فيما يعنيه «الأعدل» بحق الشاعرة، وهي دعوة لأن نقرأ نصّها أولًا، لغةً وصورةً وإيقاعًا، بهشاشته وقوته، وما ينجح فيه وما يفشل فيه. ثم بعد ذلك نسأل: ماذا فعل الإعلام بهذا النص؟ كيف أعاد الجمهور إنتاجه؟ وكيف صارت الشاعرة رمزًا قبل أن تُقرأ كشاعرة؟

ولعل أجمل صورة يمكن أن أختم بها هي تلك التي ترد في إحدى قصائدها:

طيري تركته حر قلب وجناحين

وشيء في تجربة حصّة/ريمية يشبه هذا الطائر. شيء يقاوم الاحتجاز المستمر داخل التصنيفات والتعريفات الجاهزة. وربما تكون القراءة المنصفة هي التي تمنح القصيدة أولًا ما تمنحه الشاعرة لطائرها: مساحة كافية من الوجود.